5- تفسير الآية وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى

62

5- تفسير الآية وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى

{وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ} [سورة يس: 20-25]

تفسير الآيات القرطبي :
قوله تعالى: { وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى } هو حبيب بن مري وكان نجارًا. وقيل : إسكافًا. وقيل : قصارًا. وقال ابن عباس ومجاهد ومقاتل : هو حبيب بن إسرائيل النجار وكان ينحت الأصنام، وهو ممن آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وبينهما ستمائة سنة، كما آمن به تبع الأكبر وورقة بن نوفل وغيرهما. ولم يؤمن بنبي أحد إلا بعد ظهوره.

قال وهب : وكان حبيب مجذومًا، ومنزله عند أقصى باب من أبواب المدينة، وكان يعكف على عبادة الأصنام سبعين سنة يدعوهم، لعلهم يرحمونه ويكشفون ضره فما استجابوا له، فلما أبصر الرسل دعوه إلى عبادة الله فقال : هل من آية؟ قالوا : نعم، ندعو ربنا القادر فيفرج عنك ما بك. فقال : إن هذا لعجب! أدعو هذه الآلهة سبعين سنة تفرج عني فلم تستطع، فكيف يفرجه ربكم في غداة واحدة؟ قالوا : نعم، ربنا على ما يشاء قدير، وهذه لا تنفع شيئا ولا تضر. فآمن ودعوا ربهم فكشف الله ما به، كأن لم يكن به بأس، فحينئذ أقبل على التكسب، فإذا أمسى تصدق بكسبه، فأطعم عياله نصفا وتصدق بنصف، فلما هم قومه بقتل الرسل جاءهم. فـ { قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ }.

 وقال قتادة : كان يعبد الله في غار، فلما سمع بخبر المرسلين جاء يسعى، فقال للمرسلين : أتطلبون على ما جئتم به أجرًا؟ قالوا : لا ما أجرنا إلا على الله. قال أبو العالية : فاعتقد صدقهم وآمن بهم وأقبل على قومه فـ { قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ }{ اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ } أي لو كانوا متهمين لطلبوا منكم المال { أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ } فاهتدوا بهم. { وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي } قال قتادة : قال له قومه أنت على دينهم؟! فقال : { وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي } أي خلقني. { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } وهذا احتجاج منه عليهم. وأضاف الفطرة إلى نفسه؛ لأن ذلك نعمة عليه توجب الشكر، والبعث إليهم؛ لأن ذلك وعيد يقتضي الزجر؛ فكان إضافة النعمة إلى نفسه اظهر شكرا، وإضافة البعث إلى الكافر أبلغ أثرًا.

 قوله تعالى: { أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً } يعني أصناما. { إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ } يعني ما أصابه من السقم. { لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ } يخلصوني مما أنا فيه من البلاء { إِنِّي إِذًا } يعني إن فعلت ذلك { لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } أي خسران ظاهر. { إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ } قال ابن مسعود : خاطب الرسل بأنه مؤمن بالله ربهم. ومعنى { فَاسْمَعُونِ } أي فأشهدوا، أي كونوا شهودي بالإيمان.

وقال كعب ووهب : إنما قال ذلك لقومه { إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ } الذي كفرتم به. وقيل : إنه لما قال لقومه { اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ. اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ  أَجْرًا } رفعوه إلى الملك وقالوا : قد تبعت عدونا؛ فطول معهم الكلام ليشغلهم بذلك عن قتل الرسل، إلى أن قال: { إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ } فوثبوا عليه فقتلوه. قال ابن مسعود : وطئه بأرجلهم حتى خرج قُصْبُه من دبره، وألقي في بئر وهي الرس وهم أصحاب الرس. وفي رواية أنهم قتلوا الرسل الثلاثة.

الدروس والعبر المستفادة من سورة الكهف من الآية 19 إلى 31

الدروس المستفادة من سورة الكهف من الآية 19 إلى 31

  1.   في آية (من يهد الله فهو المهتد): أي أنه لا يهدى أحد سوى الله عز وجل وهو قادر على أن يصلح حال الناس جميعاً .
  2. في الآية (ومن يضلل فلن تجد له وليا ولا مرشدا ): لا يجد من يهديه ويضله ويرشده إلى الطريق الصحيح وطريق الصلاح لان الله قد حكم عليه بالضلال ولا راد لحكم الله.
  3. في قوله (ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال)  حفظ الله ورعايته لأن طبيعة الأرض تأكل الأجسام التي عليها فجعل الله أجسامهم مقلبه حتى لا تفسدها الأرض وكان الله بقادر على أن يحمى أجسادهم بدون تقلب ولانه أراد أن تسير سنته في الكون وأن يربط الأسباب بمسبباتها.
  4. الوكالة في البيع والشراء وصحة الشركة في ذلك قال تعالى (فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة).
  5. يجوز أكل الطعام كل ما لذ منه وطاب ومن كل المطاعم إذ لم يصل إلى حد الاسراف الذي نهى عنه الله في قوله تعالى (فلينظر أيها أزكى طعاماً فليأتكم برزق منه) ويخص القول الناس الذي لا يلائمها غير ذالك من أبناء الملوك لأن هذه عادة الأغنياء أن يتناولون هذا الطعام .
  6. حثنا الله عز وجل بالابتعاد عن كل ما يسبب فتن في الدين وأن نستعمل الكتمان قال تعالى (وليتلطف ولا يشعرن بكم أحد).
  7. ذكر ما ينتج عن الشر من فساد وأن نترك الشر لأن هذه هي طريقة المؤمنين المتقدمين لقولهم (ولن تفلحوا إذا ابدا).
  8. الابتعاد عن الفتن حفظه الله عز وجل منها ومن حرص على العافية قد عافاه الله ومن أوى إلى الله أواه الله وجعله هداية لغيره ومن تحمل الذل في سبيل الله فقد رزقه الله عز عظيم من حيث لا يحتسب.
  9. الكلام المبنى على الغيب والظن وهو لا يغني من الحق شئ وتمنع الفتوى في ما لا يصلح للفتوى لأنه من الممكن أن يكون لا يبالى عن ما تكلم عنه.
  10. يؤخذ في العموم قوله ( واذكر ربك إذا نسيت ) أنه يجب أن نذكر الله عند النسيان فهو يزيل النسيان ويجب أن لا نكون من الغافلين ولما كان العبد مفتقد توفيقه للإصابة وعدم الخطأ في أقواله أمره الله أن يقول (عسى أن يهدين ربى لأقرب من هذا رشدا).
  11. قال الله تعالى (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي) وهنا يأمرنا الله بالصحبة الصالحة وصحبة الأخيار والتمسك بصداقتهم ومخالطتهم وإن كانوا فقراء فلهذا فوائد لا حصر لها.
  12. قال الله تعالى ( ولا تطع من اغلفنا قلبه عن ذكرنا ) وهنا يفيد الله على أنه من ينبغي أن يطاع ويصاغ ويكون إماما للناس هو من كان قلبه مليء بحبه لله عز وجل وظهر ذلك في كلامه وفى أفعاله وأن تبعا مرضات الله فسوف يصلح الله حالك وتستقيم أفعالك .
  13. قال الله تعالى (إنا لا نضيع اجر من أحسن عملا ) والمقصود بإحسان العمل هو أن يعمل العبد لوجه الله متبعا شرع الله في عمله فبذلك يحفظ له الله عمله ويكثر أجرهم بحسب عملهم وفضله وإحسانه.
  14. فضل أواخر صورة البقرة

شرح سورة الكهف من الآية 19 إلى 31

  • بالآيات ١٩ – ٢٠ عندما استيقظ الفتيه من نومهم وتسألوا عن المدة التي استغرقوها في نومهم و أرسلوا أحدهم بمال ليأتي لهم بطعام ولكن حذروه من أن يراه أحد ويكشف أمرهم .
  • الآية ٢١ شاء الله أن يُكشف أمرهم ويعرفوا جميعهم جيداً أن وعد الله حق وتنازعوا فيما بينهم وينتهى الأمر عند الفئة الغالبة.
  • الآية ٢٢ – ٢٣ تتحدث الآية عما سيقول الناس والسامعين على عددهم وأمر الله الرسول صلى الله عليه وسلم بتفويض أمر العلم وألا يجادل أو يهتم لأمرهم كثيراً ولا يسأل عنهم أحد.
  • الآية ٢٤ إذا هم الرسول لفعل أي شئ يجب عليه أن يقول إن شاء الله وإذا نسى أن يقول فيقولها حين يتذكر ويطلب من الله الهداية إلى كل صواب.
  • الآيات ٢٥ – ٢٧ في هذه الآية يقولوا أهل الحق لله عز وجل أن أهل الكهف ظلوا في الكهف ٣٠٩ سنة ويقول لعباده أن كلامه حق لا يتغير أبدأ.
  • الآيات ٢٨ – ٣١ أن نلازم الفقراء أي نمنع ونتحكم في أنفسنا وأن لا نطمع في حياتنا وأنه الحق حق وإن كثرت الأقاويل وأنه لا إكراه في الدين وأن الخيبة والخسران للظالمين.

مقاصد سورة الكهف

في بداية السورة يوصف الكتاب بأنه كتاب قيم لأنه يقيم الحق ويُبطل الباطل ونجد في هذه السورة أن القصص هي التي تطغى على السورة فنجد أن هناك قوم رأوا خراب وضلال في قومهم وظلم وشرك

فقرروا أن يغادروا المكان وفضلوا اخرتهم عن دنياهم ثم تنتقل إلى قصة أصحاب الجنتين، ثم قصة آدم وإبليس ثم قصة موسى وبعدها قصة ذي القرنين وكل القصص هذه لها عبره وهى أن كل بشرى له بعثه بعد مماته لمحاسبته.

حيث المؤمن له حسن الجزاء والكافر له جزائه أيضاً وأنه وعن يوم الحشر والنفخ في الصور وتتحدث عن الدار والآخرة، وكيف أن يتهيأ الإنسان للقاء ربه ويعمل أعمال صالحة ويجب على من يؤمن بالله عز وجل أن لا يشرك به أحداً.

تكرر الحديث في هذه الآية عن البعث بعد الموت حيث أنها ذُكِرت مره في قصة أصحاب الكهف، ومره أخرى حين ذكر أن الحق من الله وأن كل إنسان له أن يختار أما أن يكون مؤمن أو يكون كافر لأنه هناك دار آخرة يحاسب فيها جميع الناس.

جاء الحديث عن البعث مره أخرى في الحديث عن أصحاب الجنتين ومن أنكر وجود الله وشكك في قيام الساعة، ويوم يُحاسب كل الناس وجاء حديث صريح وواضح في المثال الذي ضربه الله للحياة الدنيا.

كما علق على تسيير الجبال وبروز الأرض وشمول الحشر وفى الحديث عن قصة آدم و ابليس يحذر الله الناس من أتباع الشيطان، وفى قصة موسى جاءت بعض الآيات تؤكد بعض السنن ومنها المعروف والغير معروف.

فإذا أتبعها الناس سوف يؤمنوا بقيام الساعة وفى قصة ذي القرنين وهو عبد من عباد الله عز وجل أعانه الله وجعل في أعماله رحمة بالناس وإيمان وتنتهى هذه القصة أيضاً ب أمر البعث والآخرة.

تفسير الآية  ” ونكتب ما قدموا وآثارهم ” وسبب نزولها

{ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ } [سورة يس: 12]

تفسير الآية ابن كثير :
قال الله عزَّ وجلَّ: { إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى } أي يوم القيامة، وفيه إشارة إلى أن الله تعالى يحيي قلب من يشاء من الكفار، الذين ماتت قلوبهم بالضلالة، فيهديهم بعد ذلك إلى الحق، كما قال تعالى بعد ذكر قسوة القلوب: { اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } [الحديد:17]، وقوله تعالى: { وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا } أي من الأعمال، وفي قوله تعالى: { وَآَثَارَهُمْ } قولان: أحدهما: نكتب أعمالهم التي باشروها بأنفسهم، وآثارهم التي أثروها من بعدهم، فيجزيهم على ذلك أيضاً إن خيراً فخير وإن شراً فشر.

تعريف تفسير القرآن

كقوله صلى الله عليه وسلم: « من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاً » [ أخرجه مسلم عن جرير بن عبد الله البجلي وهو طويل وفيه قصة مجتابي النمار المضريين ]. وهكذا الحديث الآخر: « إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: من علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية من بعده » [ أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً ].

 وقال مجاهد في قوله تعالى: { وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ } قال: ما أورثوا من الضلالة، وقال سعيد بن جبير: { وَآَثَارَهُمْ } يعني ما أثروا، يقول: ما سنوا من سنة فعمل بها قوم من بعد موتهم، وهذا القول هو اختيار اللغوي. والقول الثاني: أن المراد بذلك آثار خطاهم إلى الطاعة أو المعصية، قال مجاهد: { مَا قَدَّمُوا } أعمالهم { وَآَثَارَهُمْ } قال: خطاهم بأرجلهم وهو قول الحسن وقتادة . وقال قتادة: لو كان الله عزَّ وجلَّ مغفلاً شيئاً من شأنك يا ابن آدم أغفل ما تغفل الرياح من هذه الآثار، ولكن أحصى على ابن آدم أثره وعمله كله، حتى أحصى هذا الأثر فيما هو من طاعة الله تعالى أو معصيته، فمن استطاع منكم أن يكتب أثره في طاعة الله تعالى فليفعل، وقد وردت في هذا المعنى أحاديث.

الحديث الأول: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: « إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد »، قالوا: نعم يا رسول الله قد أردنا ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: « يا بني سلمة: دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم » [ أخرجه أحمد والإمام مسلم ].

الحديث الثاني: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كانت بنو سلمة في ناحية من المدينة فأرادوا أن ينتقلوا إلى قريب من المسجد فنزلت: { إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ }  فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: « إن آثاركم تكتب » فلم ينتقلوا [ أخرجه ابن أبي حاتم والترمذي وقال الترمذي: حسن غريب ]. وروى الحافظ البزار، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: إن بني سلمة شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد منازلهم من المسجد فنزلت: { وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ }، فأقاموا في مكانهم.

الحديث الثالث: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت الأنصار بعيدة منازلهم من المسجد فأرادوا أن يتحولوا إلى المسجد فنزلت { وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ }، فثبتوا في منازلهم [ أخرجه الطبراني وهو حديث موقوف ].

الحديث الرابع: عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: توفي رجل بالمدينة فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: « يا ليته مات في غير مولده » فقال رجل من الناس: ولم يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن الرجل إذا توفي في غير مولده قيس له من مولده إلى منقطع أثره في الجنة » [ أخرجه الإمام أحمد والنسائي ].

وروى ابن جرير عن ثابت قال: مشيت مع أنَس رضي الله عنه فأسرعت المشي فأخذ بيدي فمشينا رويداً، فلما قضينا الصلاة قال أنَس: مشيت مع زيد بن ثابت فأسرعت المشي، فقال: يا أنَس أما شعرت أن الآثار تكتب؟ وهذا القول لا تنافي بينه وبين الأول، بل في هذا تنبيه ودلالة على ذلك بطريق الأَوْلى والأحرى، فإنه إذا كانت هذه الآثار تكتب فلأن تكتب تلك التي فيها قدوة بهم من خير أو شر لهو طريق الأولى، والله أعلم.

وقوله تعالى: { وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ } أي وجميع الكائنات مكتوب في كتاب مسطور مضبوط في لوح محفوظ، { إِمَامٍ مُبِينٍ } ههنا هو أم الكتاب، قاله مجاهد وقتادة وكذا في قوله تعالى: { يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ } [سورة الإسراء: 71]، أي بكتاب أعمالهم الشاهد عليهم بما عملوه من خير أو شر كما قال عزَّ وجلَّ: { وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ } [الزمر:69]، وقال تعالى: { وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا } [سورة الكهف: 49].

تفسير قول الله تعالى ” تبارك الذي جعل في السماء بروجا “

قال الله تعالى في سورة الفرقان في الآية رقم واحد وستون (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا)، وفيما يلي تفسير الآية الكريمة.

تفسير قول الله تعالى ” تبارك الذي جعل في السماء بروجا ” :
– تفسر الطبري : فسر الطبري قوله تعالى ” تبارك الذي جعل في السماء بروجا “، حيث قيل عن عطية بن سعد في قوله تعالى : ( تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا ) قال: (قصورا في السماء، فيها الحرس)، قيل عن يحيى بن رافع, في قوله : ( تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا ) قال: (قصورا في السماء)، وقيل عن إبراهيم في قوله تعالى ( جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا ) قال : (قصورًا في السماء)، وقيل عن أبي صالح في قوله تعالى (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا) قال : (قصورا في السماء فيها الحرس).

وقد قال آخرون عن هذه الآية أنها تعنى النجوم الكبار، وقد ذكر عن ذلك حيث قال أبي صالح في قوله تعالى (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا) قال : النجوم الكبار، وقيل عن مجاهد : (الكواكب)، وقيل عن قتادة في قوله تعالى : ( بُرُوجًا ) قال: (البروج : النجوم)، وقال أبو جعفر : وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: هي قصور في السماء, لأن ذلك في كلام العرب وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وقول الأخطل :
كَأَنَّهَــا بُــرْجُ رُومــيّ يُشَــيِّدُهُ
بــانٍ بِجِــصّ وآجُــر وأحْجـارِ

– تفسير السعدي : فسر السعدي قوله تعالى (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا )، وقد تم تكرر كلمة تبارك في هذه السورة الكريمة ثلاث مرات لأن تدل على عظمة الباري وكثرة أوصافه، وكثرة خيراته وإحسانه، وتستدل من خلال هذه السورة على عظمة ووسعة سلطان الله تعالى ونفوذ مشيئته، وقد قال الحسن في تكرار هذا الوصف في قوله تعالى (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا)  : (وهي النجوم عمومها أو منازل الشمس والقمر التي تنزل منزلة وهي بمنزلة البروج والقلاع للمدن في حفظها، كذلك النجوم بمنزلة البروج المجهولة للحراسة فإنها رجوم للشياطين).

وقد فسر السعدي قوله تعالى (وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا ) أنها تعني النور والحرارة : والشمس، وفسر قوله تعالى (وَقَمَرًا مُنِيرًا) : (فيه النور لا الحرارة وهذا من أدلة عظمته، وكثرة إحسانه، فإن ما فيها من الخلق الباهر والتدبير المنتظم والجمال العظيم دال على عظمة خالقها في أوصافه كلها، وما فيها من المصالح للخلق والمنافع دليل على كثرة خيراته).

تفسير الوسيط لطنطاوي :  فسر قوله تعالى (َبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا)، حيث رد الله تعالى على التطاول والجهل بما يدل على عظيم قدرته عز وجل فقال تعالى: تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجعل فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً، والبروج هي جمع برج، وتعني القصور العالية، ويؤكد ذلك قوله تعالى (أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ)، ولكنها تعني في الآية الكريمة الكواكب السيارة ومداراتها الفلكية وعددها اثنا عشر منزلا، وسميت بالبروج لأنها كالمنازل لساكنيها.

وقوله تعالى (السراج) : الشمس، وذلك على حسب قوله تعالى : (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً، وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً)، وأن الله تعالي هو الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها في السماء سراجا وهي تعني الشمس، وقوله تعالى (وجعل فيها قمرا منيرا) أي : قمرا يسطع نوره على الأرض المظلمة، فيبعث فيها النور الهادي اللطيف.

تفسير بن كثير : فسر  بن كثير قوله تعالى (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا)، حيث يقول تعالى ممجدا نفسه ، ومعظما ما خلق في السماء من البروج، وقال قتادة (هي قصور في السماء للحرس )، وقال كل من ابن عباس (هي قصور للحرس)، وقال أيضا (هي الشمس المنيرة ، التي هي كالسراج في الوجود)

العربيةChichewaEnglishEsperantoFrançaisEspañolTürkçe